مجمع البحوث الاسلامية
42
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
نزول الملائكة عليهم ويقترحونه ، وهم إذا رأوهم كرهوا لقاءهم أشدّ كراهة وفزعوا منهم شديدا ، وقالوا : ما كانوا يقولونه عند نزول خطب شنيع وحلول بأس شديد فظيع » وقد أنكر الوجه الأوّل وقال : « ليس بواضح » . وقد رجّح الطّبريّ الأوّل بحجّة « أنّ ( الحجر ) هو الحرام ، ومعلوم أنّ الملائكة هي الّتي تخبر أهل الكفر أنّ البشرى عليهم حرام ، وأمّا الاستعاذة فإنّها الاستجارة وليست بتحريم ، ومعلوم أنّ الكفّار لا يقولون للملائكة : حرام عليكم » . ولكن هذا لا يوافق ما قالوا في حِجْراً مَحْجُوراً * عند العرب فيستدعي فصلها عنه ، مع اعتراف الجميع بأنّه مأخوذ منه . وعندنا أنّ سياق الآيتين يناسب الثّاني ، فإنّ الضّمائر فيهما - وكذا بعدهما - ترجع إلى الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في صدر الآية الأولى ، فلاحظ : لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ . و « المجرمون » هم المستكبرون ، وجاء بدل الضّمير الاسم الظّاهر علّة للحكم ، فكأنّه قال : يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ لهم ويقولون : حجرا محجورا ، مع أنّ « المجرمين » أقرب إلى « يقولون » من الملائكة ، فرجوع الضّمير إليهم أظهر . إضافة إلى ما سبق من مناسبته لما أثر من العرب في قولهم : حِجْراً مَحْجُوراً * دون الأوّل . 4 - إنّهم اتّفقوا على أنّ حِجْراً مَحْجُوراً * قول الملائكة ، أو المجرمين ، واختصّ الحسن البصريّ - كما حكاه القرطبيّ - بأنّ ( حجرا ) من قول المجرمين ، و ( محجورا ) من قول الملائكة ، أي قالوا للملائكة : نعوذ باللّه منكم أن تتعرّضوا لنا ، فتقول الملائكة : ( محجورا ) أن تعاذوا من شرّ هذا اليوم . فعنده أنّ الضّمير في ( يقولون ) يرجع إلى الفريقين ، لكن مقولهم مختلف ، وهذا عجيب . 5 - قال القشيريّ - حسب ذوقه العرفانيّ - في حِجْراً مَحْجُوراً : * « أي حراما ممنوعا يعني رؤية اللّه عنهم » ، وقال : « حمله على ذلك أولى من حمله على الجنّة ، ولم يجر لها هناك ذكر » . فاختار رجوع الضّمير إلى الملائكة . و « البشرى » إلى رؤية اللّه . وهذا أيضا بعيد عن السّياق ، فإنّ الجنّة هي مطلوب النّاس عامّة ، والرّؤية خاصّة بالمخلصين ، وهم قلّة . على أنّا رجّحنا رجوعه إلى الكفّار . 6 - إنّ ( حجرا ) عندهم - كما سبق - مصدر بمعنى حرام ، و ( محجورا ) بمعنى محرّم . واختصّ المصطفويّ بأنّ ( حجرا ) صفة كالملح بمعنى الحافظ المانع ، و « المحجور » هو المحفوظ المحدود . وهو خلاف إجماع اللّغويّين والمفسّرين ! ! 7 - أكثر من قال بأنّ حِجْراً مَحْجُوراً * قول المجرمين قالوا : إنّهم يتعوّذون من الملائكة حذرا منهم ، واختصّ البيضاويّ - وتبعه السّمين والآلوسيّ - بأنّهم يقولونه استعاذة وطلبا من اللّه أن يمنع لقاء هؤلاء الملائكة . وهو بعيد عن ما شاع عند العرب بأنّهم كانوا يتعوّذون العدوّ عند لقاءه دون اللّه . 8 - كلّ من حكى قول العرب في حِجْراً مَحْجُوراً * قال : إنّهم كانوا يقولونه عند لقاء العدوّ تعوّذا منه أو من اللّه ، وخصّه مجمع اللّغة « بأنّ الرّجل في الجاهليّة يلقى الرّجل في الشّهر الحرام فيقول : حِجْراً مَحْجُوراً * أي حراما محرّما في هذا الشّهر فلا يبدأ منه شرّ » وهذا قريب